الصفحة الرئيسة البريد الإلكتروني البحث
سيّد الاستثناء النضيرالهبوط الآمن في صحراء شريعتيعلي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنتوقيع كتاب أغاني القلب في علي النَّهريحفل توقيع كتاب أغاني القلبإصدار جديد للدكتور علي شريعتيصدور كتاب قراءات نقدية في رواية شمسحريق في مخازن دار الأميردار الأمير تنعى السيد خسرو شاهيإعلان هامصدر حديثاً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضايامعرض مسقط للكتاب 2019دار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
الصفحة الرئيسة اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة أخبار ومعارض تواصل معنا أرسل لصديق

جديد الموقع

سيّد الاستثناء النضيرالهبوط الآمن في صحراء شريعتيعلي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنتوقيع كتاب أغاني القلب في علي النَّهريحفل توقيع كتاب أغاني القلبإصدار جديد للدكتور علي شريعتيصدور كتاب قراءات نقدية في رواية شمسحريق في مخازن دار الأميردار الأمير تنعى السيد خسرو شاهيإعلان هامصدر حديثاً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضايامعرض مسقط للكتاب 2019دار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي

أقسام الكتب

مصاحف شريفة
سلسلة آثار علي شريعتي
فكر معاصر
فلسفة وتصوف وعرفان
تاريخ
سياسة
أديان وعقائد
أدب وشعر
ثقافة المقاومة
ثقافة عامة
كتب توزعها الدار

الصفحات المستقلة

نبذة عن الدار
عنوان الدار
About Dar Al Amir
Contact Us
شهادات تقدير
مجلة شريعتي
مواقع صديقة
هيئة بنت جبيل
اصدارات مركز الحضارة

تصنيفات المقالات

شعراء وقصائد
قضايا الشعر والأدب
ريشة روح
أقلام مُقَاوِمَة
التنوير وأعلامه
قضايا معرفية
قضايا فلسفية
قضايا معاصرة
الحكمة العملية
في فكر علي شريعتي
في فكر عبد الوهاب المسيري
حرب تموز 2006
حرب تموز بأقلام اسرائيلية
English articles

الزوار

13577296

الكتب

300

القائمة البريدية

 

الإطار الفلسفي للتوفيقية

((قضايا فلسفية))

تصغير الخط تكبير الخط

الإطار الفلسفي للتوفيقية:
محاولة في تحليلها وتعريفها

بقلم: د. محمد جابر الانصاري .

mohammadjaberalansari_190لعلّ من أبرز الوظائف الحياتية للفكر _دينياً كان أم فلسفياً أم اجتماعياً _ هو التصدّي لظاهرة الثنائية في الحياة الإنسانيّة والوجود الكوني، وما يتفرّع عنها من نقائض وأضداد ومتعارضات؛ ومحاولة تحليلها وتفسيرها، ثمّ حسمها وحلّها، بالتوصل إلى صيغة تركيبية تستوعب صراع الأضداد وتلطّفه _بصورة أو بأخرى بحيث تضحي معاناة هذا الصراع، والتعايش معه، من قبل الأفراد والجماعات أمرا في حدود الإحتمال الإنساني، إذ يستحيل التعايش مع فوضى الأشياء واصطراع العناصر؛ هذا مع ما تفرضه تلك النظرة الاعتقادية الجامعة من مجاهدة عملية ومعنوية من أجل تجاوز الثنائية والتضاد مستقبلا وتحقيق هدف الخلاص النهائي.

ولعلّ في الأشارات النافذة للفيلسوف الفرنسي بليز بسكال (1623_1662) إلى صميم هذه الظاهرة ما يلقي الضوء على جوهر حقيقتها بصورة كاشفة. تتلخّص فلسفة بسكال حول الوضع الإنساني الوجودي في التحليل التالي: "هناك تضاد في الإنسان ... فالإنسان عظيم لأنّه يعمل لسعادة لا يمنحها العالم. والإنسان شقي لأنّه لا يلقى السعادة في نفسه... ولكن هناك ما هو أخطر من التضاد ذاته، وهو ان الانسان يحاول الجمع بين الأضداد فيختلط الأمر عليه ولا يبلغ سعادة ولا راحة... فهل من وسيلة نفهم بها هذا التنقّل المستمر بين الأضداد؟ وهل من وسيلة نخرج بها من هذه الحركة المستمرّة (يقصد حركة الانتقال من ضد إلى ضدّ) وهل من وسيلة تنقذنا من حيرة الباطل وتهدينا إلى يقين الحقّ؟ ليذهب (الانسان) في التحليل ما شاء، وما شاءت أدواته. الإنسان وسط بين الكلّ والعدم، بين كلّ يحيط به، وعدم يتّجه إليه، بين كلّ يريد إدراكه فلا يبلغه، وعدم صدر منه وابتعد عنه. إنّه وسط بين لا متناهٍ في الكبر، والا متناه في الصغر. وسط بين الجزئيّات وبين الموجودات. وسط متنقّل تائه.

ويخلص بسكال من الثنائية العامّة للحياة إلى ثنائية المعرفة وما يكتنفها من تضاد نابع من الوضع الوجودي للإنسان، فيصل إلى المشكلة الأزليّة، مشكلة الصلة بين العقل والقلب بين المنطق والإيمان وهل يتّفقان أم يتعارضان أم ينفصلان: "إنّا نعرف الحقيقة لا بالعقل وحده، بل بالقلب أيضاً، فالقلب يعرف المبادىء الأولى، والبرهان (العقلي) عاجز عنها... وعجز الإنسان هذا عجز في العقل لا في اليقين (يقصد: بالإيمان) (ففي) العقل عجز لا علاج له، وذلك في ناحيتين مختلفتين: عجز عن البرهنة على جميع القضايا والمبادىء، ثمّ عجز عن الادراك والوصول. أمّا المعرفة بالقلب فمحدودة. وربّما كان أسمى ما يتطلّع إليه الإنسان تلك المعرفة التي يتّحد فيها العقل بالقلب، عقل يوجّه المعرفة ويتقدّم فيها وقلب يلمس وينظر ولكن الإثنين فينا منفصلان، فما نعرفه بالقلب لا ندركه بالعقل وما نبرهن عليه لا نراه ولا نلمسه. وهذا الإنفصال علامة على أمر خطير في الطبيعة البشرية.. إنّ الغريزة والعقل علامة على طبيعتين .. (و) ان التضاد قائم في المعرفة ذاتها وفي قلب اليقين. يقين القلب لا حجّة عليه (= لا حجة تثبته). وحجج العقل لا يقين فيها. وهذا التضاد خطير يهدّد اليقين كلّه. وعلى هذا التضاد قام النضال بين الفلاسفة، بل قام تاريخ الفلسفة كلّه في مظهر من أهمّ مظاهره.

إذن فهي مشكلة الثنائية وما ينجم عنها من تناقض وصراع وتضاد وتمزّق في الحياة الإنسانية كلّها ثمّ تبلور هذه المشكلة مكثفة على صعيد نظرية المعرفة بالذات حيث يعمل "الوعي" الانساني على إدراك أبعادها ومحاولة تقديم الحلول المؤدية إلى التخفيف من حدّتها الوجودية القاسية على اختلاف صور تلك الحلول بين فلسفة وأخرى.

فما هي أنواع الإستجابات الفكرية التي لجأ إليها الفكر الإنساني، وما موضع الفكر العربي الإسلامي منها؟

يطرح مفكّر عربي معاصر الإجابة على النحو التالي: ".. أحسب أن لو تعمّقنا ضمائرنا (نحن العرب)، لوجدنا هناك مبدأ راسخا، عنه انبعثت _وما تزال تنبعث _ سائر أحكامنا في مختلف الميادين، وأعني به مبدأ الثنائية التي تشطر الوجود شطرين، لا يكونان من رتبة واحدة ولا وجه للمساواة بينهما، هما الخالق والمخلوق، الروح والمادّة، العقل والجسم، المطلق والمتغيّر، الأزلي والحادث، أو قل هما السماء والأرض إن جاز التعبير.ولكي نضع هذه النظرة الثنائية وضعها المفهوم، نقول: إنّ الفلاسفة _على مرّ العصور، وفي مختلف الثقافات _ حين ارادوا أن يضمّوا أشتات المعارف والقيم في مبدأ واحد يجمع شملها كانوا في ذلك على أربعة أوجه رئيسيّة:

فمنهم من جعل الوجود كلّه كائنا واحدا متجانسا جميعه في أنه روح صرف، فإذا وجدنا فيه كائنات نظنّ انّها ماديّة، وجب أن نترجم حقيقتها إلى لغة تجعلها روحيّة في جوهرها، ومنهم من جعل الوجود كلّه كائنا واحدا متجانسا جميعه كذلك، ولكنّه متجانس في انّه مادّة صرف. فاذا وجدنا فيه كائنات نظن أنّها روحيّة وجب أن نترجم حقيقتها إلى لغة تجعلها مادّية في جوهرها. ومنهم من شطر الوجود إلى شطرين، كلّ منهما متجانس لكنّه مستقلّ عن الآخر، وذلك بأن شطره إلى روح ومادّة معا، لكن هؤلاء الثنائيين قد يجعلون هذين الشطرين على مستوى واحد من الأصالة والأولوية. فلا الروح خلقت المادّة، ولا المادّة سبقت الروح، بل هما أزليان معا، يتلاقيان في الكائنات كما نراها. ومن الفلاسفة فريق رابع يردّ الوجود إلى كثرة من عناصر لا داعي لتجميعها تحت مبدأ واحد أو مبدأين.

وأمّا نحن (العرب) فأحسب أننا أميل بفكرنا إلى الثنائية _كما ذكرت _ غير أنّها ثنائية لا تسوي بين الشطرين، بل تجعل للشطر الروحاني الأولويّة على الشطر المادّي، فهو الذي أوجده وهو الذي يسيّره، وهو الذي يحدّ له الأهداف.

وهكذا تراوح الاستجابات الفكريّة الإنسانيّة بإزاء تحدي الثنائية إما بمحاولة فكّها وإلغائها وحسم التأرجح بين قطبيها عن طريق تغليب الروح على المادّة واعتبار الأولى أصل الوجود، كما في الفكر الهندي القديم مثلا، أو بتغليب المادّة على الروح واعتبارها أصل الأشياء واعتبار الروح انعكاسا لها ووظيفة من وظائفها، كما في بعض تيّارات الفكر الأوروبي الحديث وعلى الأخص الماديّة الجدلية. وإمّا بإبقاء المقابلة بين الشطرين، كما في المانويّة والمسيحيّة والإسلام، على اختلاف في تحديد نوعيّة العلاقة بينهما. أو بإرجاع الوجود إلى تكثّر لا يرتبط بمبدأ وحداني أو ثنائي كما في الفلسفات النسبيّة والتعدّدية التي تزدهر في ظل الفكرة "الليبرالية" الغربية.

وإذا كانت النظرة العربية الإسلامية من النظرات التي تشطر الوجود شطرين، فأي نوع من العلاقة تقيمه بينهما؟ أهي علاقة صراعية أم وفاقيّة أم انفصالية؟

لعلّ في اللمحة المقارنة التالية ما يوضح طبيعة تلك العلاقة في الإسلام وفكره.

تضع المانويّة الفارسية، التي قدّر للإسلام ان يصارعها في حربه ضدّ الزندقة، طرفي الثنائية على صعيد واحد من القوة والأولويّة وتفترض وجود صراع أزلي عنيف بينهما. إنّها تضع النقيضين في مواجهة دراميّة مأساوية وجها لوجه وتعطي للشرّ وجودا ميتافيزيقيّا مستقلاً بذاته. ولكنّها تطلب _فقط _ من الإنسان أن يقف إلى جانب الخير لترجيح كفّة الصراع.

أما المسيحية، في شكلها الأوروبي خاصة، فإنّها تفصل بين جانبي الثنائيّة فصلا يكاد يكون تامّا. إن العالمين _الإلهي والتاريخي يتجاوران ويتماسّان ويؤثّر أولهما في الثاني ولكنّهما لا يتداخلان في نظام عضوي على وجه هذه الأرض (عدا في الحادثة الفرديّة الاستثنائية عندما اتحد _حسب التصور المسيحي _ اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح). حقا، إنّ الشطرين لا يتصارعان، كما في المانويّة، (وإن كان يقوم بينهما نوع الجفاء كجفوة "الرهبنة" بإزاء الاستمتاع "بطيبات الحياة")؛ ولكنّهما لا يتطابقان ولا يتفاعلان بصورة متداخلة متشابكة كما سيحدث في الإسلام. إنّ ما يقوم بينهما هو علاقة تجاور اضطراري كاضطرار الروح في البدن.

وعليه، فالإسلام يرفض الثنائية المطلقة لدى المانوية باعتبارها شركا، كما أنّه يتجاوز الفصل المسيحي الثنائي بين الدين والدولة، بين الروحي والزمني، وبين الرهبنة والمتاع الدنيوي المباح؛ إلى تحقيق نوع من الدمج بينهما. ولمزيد من إيضاح الفرق على صعيد الفكر بين فصل المسيحية بين المجالين ودمج الإسلام بينهما، لربّما جاز لنا أن نضع على سبيل المقارنة الفكرة التالية في الجمع بين العقل والإيمان للشيخ محمد عبده إلى جانب فكرة بسكال المشار إليها في الفصل بين الجانبين: "إياك أن تعتقد... أنّ فرقا بين العقل والوجدان (القلب) في الوجهة، بمقتضى الفطرة والغريزة، فإنّما يقع التخالف بينهما عرضا عند عروض العلل والأمراض الروحيّة على النفوس. وقد أجمع العقلاء على أنّ المشاهدات بالحسّ الباطني (الوجدان أو القلب) من مبادىء البرهان العقلي كوجدانك أنّك موجود (لعلّها إشارة إلى الكوجيتو الديكارتي)، ووجدانك لسرورك وحزنك وغضبك... ونحو ذلك. منحنا العقل للنظر في الغايات، والأسباب والمسبّبات. والفرق بين البسائط والمركّبات _والوجدان لإدراك ما يحدث في النفس والذات من لذائذ والآم، وهلع واطمئنان وشماس وإذعان ونحو ذلك ممّا يذوقه الإنسان ولا يحصيه البيان، فهما عينان للنفس تنظر بهما، عين تقع على القريب، وأخرى تمدّ إلى البعيد، وهي في حاجة إلى كلّ منهما ولا تنتفع بإحداهما حتّى يتم لها الانتفاع بالأخرى. فالعلم الصحيح مقوّم الوجدان، والوجدان السليم من أشدّ أعوان العلم.

غير أنّ هذا التقريب والدمج والمطابقة بين الثنائيات والمتعارضات في الإسلام لا يقضي على تميّزها بصفة مطلقة ولا يذوّبها نهائياً. بل يبقى تنوّع على وحدة، وتعارض مع اتفاق، وتعدّد ضمن توحّد. إنّ المقابلة تبقى بين شؤون الدنيا وشؤون الآخرة، وبين نصّ "المنقول" وتسليمه ومنطق "المعقول" وتأويله. هناك جانب التأمّل والنظر يقابله جانب الجهاد والعمل. وهناك جانب التقوى والزهد يقابله جانب الإقبال على الدنيا وطيّباتها. (وعندما تصاب الحياة الإسلامية بالاختلاف ينفكّ التوفيق ويتغلّب "التوكّل" على "السعي" في عصور الإنحطاط). أي إنّ الإسلام لا يلغي الثنائية ومتعارضاتها، وإلاّ لما كان ثمّة دور فيه للتوفيقية. فالتوفيق ينطلق من مبدأ وجود تعارض _ولو ظاهري _ بين جوانب الحياة ثمّ يتقدّم لإزالة الفوارق واكتشاف التماثل فيما بينها حتّى يحقّق أقصى قدر ممكن من الوحدة، على أقصى قدر ممكن من التوازن بين الجانبين.

إن الإسلام يقبل بواقع الثنائية في الوجود الإنساني ولكنّه يعمل على تعديلها وتخفيفها ورأب الصدع الوجودي القائم بينها _لا على زيادته وتأكيده كما في المانويّة القديمة والجدليّة الحديثة _ وقد برزت التوفيقية على صعيد الوعي الفكري لتقوم بتحقيق هذه النزعة المتأصلة في النظرة الإسلاميّة. وبذا يصح القول أنّ الفكر العربي الإسلامي إذ: "يفصل... بين السماء والأرض، بين المطلق والنسبي بين اللانهائي والمحدود، بين خلود الآخرة وفناء الدنيا، (فإنّما) يفصل بينهما ذلك الفصل الذي لا يجعل لكلّ عالم من العالمين أهلا غير أهل العالم الآخر، بل عنده ان أهل هذا هم اهل ذلك، غير أنّ الواحد تمهيد للثاني، كما تكون المقدّمة للكتاب. فإذا أساغ غير العربي أن يكون لقيصر عالم ولله عالم، وأن تكون مملكة الأرض غير مملكة السماء، فالعربي يفضّل أن يجعل العالمين كليهما لله ولقيصر. ليكون الله حاكما في كليهما، وقيصر محكوما في كليهما".

وهكذا يصحّ القول أن الاستجابة الإسلامية لمشكلة الثنائية تتمثل في محاولة التوفيق بين متعارضاتها، توفيقا يبقي العناصر المختلفة ضمن بوتقته ولا يذيبها كليا؛ بحيث يمكن وصفه بأنه وحدة على تنوّع. فالعقيدة الإسلامية تقوم اساس على مبدأ الوحدانية المطلقة، والتوحيد يمثل الركن الأول من إيمانها. وهي عندما تواجه نقائض ومتعارضات في هذا العالم فإنّها تسلّم بها بتأثير نزعة عمليّة واقعية في نظرتها، ولكنّها تعمل بحذق وحذر على التقريب بين تلك المتعارضات لتصبّها في بوتقة أقرب ما تكون إلى الإنسجام تطلعا لمثلها الأعلى في التوحيد. إنّها تتحرّك من واقع الثنائية القائمة في هذا العالم، وتقيم التوازن بين أطرافها وتضمّها في صيغة اقرب إلى التكامل والتوحد منها إلى التصارع والتضاد سعيا لرفع الإنسان من مستوى الثنائية إلى ما يقرب من وحدانية الله وما هو أكثر انسجاما مع وحدة الحقيقة المنبثقة عنها؛ وأملا في الإرتفاع النسبي المتدرج من واقع التضاد إلى مثال التوحّد في مسيرة تبدأ من الواقع التاريخي بثنائيّاته القائمة وتتجه صعدا _من خلال الصيرورة التاريخية الطويلة وبتبعاتها، لا رفضا لها أو زهدا فيها _ إلى توحّد الكينونة الربانية المنشودة الموعودة: "يا أيها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه..." (سورة الإنشقاق، آية6) إن مسيرة "الكدح" الإنساني عبر ثنائية الخير والشر نحو وحدانية الخير المطلق المحض تلطّف النظرة الإسلامية من حدّة معاناتها باستجابة توفيقية هي فوق مستوى الثنائية ودون مستوى الوحدانية؛ لأنّ مستوى الوحدانية لا يمكن بلوغه على الصعيد التاريخي والإنساني بصورته المطلقة، وإن كان يمكن التطلّع إلى شيء يقرب من كمال مثاله حسب الطاقة الإنسانية وطبقا لما تبيحه الضرورات الوجوديّة. ومن هذا المنطلق جمعت النظرة الإسلامية بين الدين والدولة وبين الفرد والجماعة في نظام عقيدي شمولي واحد، وجمعت الحضارة الإسلامية بين العناصر والثقافات والأقوام في وحدة عالميّة تتخطّى الحدود والحواجز. ذلك سعي للاقتراب من مثال التوحيد في عالم تنقسم عناصره على ذاتها ولا تتوحّد بفعل طبيعتها، فتعمل النزعة الموحّدة على إخضاعها لنظرتها بمسعى التوفيق والجمع والتقريب.

غير أنّ النظرة الإسلامية، وإن تجنّبت ظاهرة الإنشطار في هذه الحياة الدنيا بنزعتها التوفيقية المستلهمة من عقيدتها التوحيدية، فإنّها واجهت انفصالاً أساسيا آخر بين مفهوم الله ومفهوم الإنسان بين العالم الماورائي والعالم الطبيعي، بسبب طبيعة تلك العقيدة التوحيدية المجرّدة المنزّهة. فبمقدار ما يتمّ التأكيد على وحدانية الله المطلقة، يتمّ التباعد بين الواحد الأحد المطلق من ناحية، وبين الإنسان والكائنات الأخرى من ناحية ثنائية. وعلى الرغم من ورود بعض الإشارات القرآنية الموحية بأنّ الله أقرب إلى عباده "من حبل الوريد"، فإنّ الواحد المطلق ظلّ في المعتقد الإسلامي الجماعي متساميا في عليائه فوق كلّ ما في هذا العالم من حيّ وجماد.

تلك الهوّة السحيقة ستتقدّم التوفيقية الإسلاميّة أيضاً لردمها والتقليل من تباعد طرفيها. فالقول بالتوفيق بين الإيمان والعقل يعني في تحليله النهائي الرغبة الدفينة في التقريب بين الله والإنسان _فالله مصدر الإيمان والوحي والشريعة، والإنسان مستودع العقل والتبصر والحكمة. وهكذا فالإشادة بقدرات العقل تتضمّن الإشادة بالإنسان المتميّز بهذا العقل المختص به، القادر على الوصول إلى الحقّ الأعلى ومعرفته بقوّته الناطقة المتميّزة هذه، حتّى لو لم يسعفه الوحي بالهداية المباشرة.

وباستثناء التصوّف الذي يمثل تجربة ذاتية خالصة، فإنّ الفلسفة التوفيقية الإسلامية كانت صلة الوصل العقلية الموضوعية والجسر الذي امتد فوق الثنائية القائمة بين مفهوم الوحدانية المطلق ومفهوم الإنسانيّة المحدود. حيث أمكن _خلال عصور التفتح العقلي _ أن يرتفع صوت الإنسان متمثلا في العقل إلى جانب صوت الوحي، فتتقلص _ولو إلى حين _ تلك المسافة القائمة بين الأرض الهابطة والسماء البعيدة. ويكاد الإنسان الفيلسوف بنفاذه العقلي للحقيقة الكونية أن يصبح في مستوى المرسل، من حيث القدرة على تلقي تلك الحقيقة الكونيّة؛ ويرقى العقل المتأمّل إلى ما يقرب من مستوى الوحي المنزل في التعبير عن تلك الحقيقة.

وهكذا فإنّ المحاولة التي بدت في إطارها الكلامي _ الفلسفي المحدود وكأنّها مجرّد استعانة بالعقل الإغريقي لدعم مسلّمات الوحي السامي والتراث الإبراهيمي، أصبحت تبدو اليوم من وجهة نظر التاريخ الحضاري مشروعا فكرياً أكبر وأشمل كانت غايته إفساح مكان لإرادة الإنسان وعقله بإزاء القدرة الالهية المطلقة في سلّم الموجودات الكونية: "... إنّ كلّ عقيدة من العقائد الوحدانية جابهت مشكلة التوفيق بين حرية الإنسان وقدرته من جهة، والعناية الإلهية والقدرة الإلهية المطلقتين من جهة أخرى، وتساءلت عمّا إذا كان للإنسان ذاته أثر في الأحداث البشرية وفي التبدّل الحضاري.

فكانت تلك الأبحاث والمجادلات والمنازعات حول "الحرية" و "التحتيم"، و "التخيير" و "التسيير" التي لعبت دورها الكبير في تطوّر هذه العقائد، وفي الفرق التي نشأت عنها، وفي الإتجاهات الحضارية التي سلكتها، ولابدّ من التنويه بأهميّة النتائج الحضارية التي تولّدت عن المواقف المتّخذة في هذه القضيّة. فحيثما استطاعت العقيدة أن توفّق بين عناية الله وحريّة الإنسان، وأن تؤمن بقدرة الإنسان على الإختيار وبالتبعة التي يحمّله إيّاها الإختيار، انفسح المجال أمام الأفراد والشعوب للأقدام والفعل في ميادين الفكر والإنتاج. وحيثما سطت فكرة التسيير وضعف الإيمان بحرّية الإنسان وتبعته، تراخت العزائم وقصّرت الأفراد والشعوب عن إثبات ذاتها وعجزت عن إحداث الأثر التاريخي او الإبداع الحضاري. كذلك اختلفت هذه العقائد فيما بينها، في داخلها وفيما بينها، بقدر ما أقرّت من نظام يسود الطبيعة ومن قوانين تسيطر عليها. فثمة اتّجاه يقيم لهذا النظام وزنا ويجعل له مكانا في ترتيب الوجود، وثمّة اتّجاه معاكس يجعل كلّ حدث طبيعي _وإن يكن ضئيلا أو عارضا _ ناتجا مباشرة عن إرادة الله وفعله. وثمّة اتّجاهات بين هذا وذاك تتفاوت في مدى ما تقرّ لعوالم الطبيعة من استقلال داخلي وانتظام خاص. هنا ايضاً، حيثما اتّسع مدى هذا الإستقلال والإنتظام في عقول الناس، كان منه حافز على البحث في اسرار الطبيعة وعلى محاولة استغلالها لفائدة الإنسان، وحيثما ضاق المدى وانتفى معنى النظام أو القانون الطبيعي، فترت الرغبة في البحث الفكري والنشاط العلمي وخفّت القدرة على القيام بأعبائها.

نخرج من هذا التحليل لموقف التوفيقية المتوسّط بين ثنائيّة العالم ووحدانيّة الله، بإيجاز الأسس الفلسفية التالية التي تقوم عليها التوفيقية، هذه الأسس التي يمكن أن تمثل في مجملها منطلقا ومدخلاً للتعريف الفلسفي الذي ننشده لها، والذي سيلي، هذا الاستخلاص التحليلي:

1_ تهدف التوفيقية إلى تأكيد ظاهرة "وحدة الحقيقة" فيما تقوم به من جمع بين المتعارضات لصبّها في بوتقة الإتفاق:

"فقد كانت هذه المسألة (التوفيق بين الفلسفة والشريعة) منذ عهد الكندي إحدى المسائل الكبرى التي أثارت حفيظة المتكلّمين ضدّ الفلاسفة والقت ظلاّ قاتما على نزعة التفلسف في البلاد الإسلامية. على ان ابن رشد استحدث أسلوبا كلامياً صارما فاق أسلوب أي من أسلافه دقة، تمكّن به من معالجة هذه المسألة معالجة فعّالة. كانت نقطة الإنطلاق في هذا الأسلوب النظرية الأفلاطونية المحدثة المتأخّرة القائلة بوحدة الحقيقة، على اختلاف مظاهرها. وربّما كان "إخوان الصفاء" من أول المروّجين لهذه النظريّة في القرن العاشر.

2_ تعتمد التوفيقية مبدأ التكافؤ أو التوازن بين العنصرين اللّذين تجمع بينهما. إذ لو تقرّرت أفضليّة أو أولويّة عنصر على آخر لانتفت ضرورة التوفيق. فلو قلنا مثلا إنّ الوحي هو السبيل الأفضل لمعرفة الحقّ، لسقط تكافؤ العقل بإزائه، ولاقتصرت المسألة على تفسير مفهومات العقل، وسائر الموجودات، بمعيار الوحي وحده. بينما إذا اعتبرنا العقل مصدرا أوّليا وحيدا أو رئيسا للمعرفة اقتضى أن نفسّر قضايا الوحي كلّها، والوجود كلّه، بمقياس العقل، إذن لابدّ من التكافؤ في التوفيق. وهو ما تنبّه إليه إبن رشد بعد تطوّر طويل للفكر التوفيقي في تاريخ الثقافة الإسلاميّة: "... كان إبن رشد نفسه مؤمنا بعصمة القرآن أيضا، إلاّ أنّه لم يكن أقلّ إيمانا بوحدة الحقيقة كقضية بديهيّة. ولم تنطو هذه القضيّة البديهيّة عنده على ضرورة التذرّع بالتأويل وحسب بل انطوت أيضا على الإقرار بتكافؤ الفلسفة والشريعة أو العقل والوحي، من حيث هما مصدران أوّليان وصادقان للحقيقة المطلقة. وإذا كان بعض الفلاسفة قد جنحوا بداعي إعجابهم المفرط بالفلسفة، كما جنح ابن سينا إلى التفريط بهذا التكافؤ، فإنّ بعضهم الاخر، الكندي مثلا، لم يشكّ به قطّ. ولقد فاق ابن رشد أي فيلسوف مسلم آخر في إيضاح مفهوم التكافؤ هذا واستنبط منه جميع النتائج المنطقية التي انطوى عليها. (وقد) أعان ابن رشد بوجه خاص على اتّخاذ الموقف الصعب الذي دعوناه "تكافؤ الفلسفة والشريعة" أو "العقل والوحي" أمران: الأوّل، التمييز القرآني (سورة آل عمران، آية5)، الذي أقرّه المفسّرون منذ عهد الطبري (توفي 923)، بين الآيات المتشابهات والآيات المحكمات، والثاني الافتقار إلى سلطة تعليميّة عليا في الإسلام (السنّي) تنفرد بحق تحديد مضمون العقيدة الإيمانيّة. فالذي يفترضه الأمر الأول هو الإقرار بأنّ بعض الآيات المنزلة لا يمكن حملها على الظاهر، والذي يفترضه الثاني هو الحاجة إلى سلطة يستند إليها حقّ الفصل في الخلافات العقائدية.

3_ توحي التوفيقية في كثير من معانيها بأنّها فكرة تصالح وانسجام. ولكنّها في الحقيقة لا تخلو من توتّر خفي غير معترف به. فالمظاهر المختلفة في الحياة تلتقي في جوانب معيّنة وتفترق في جوانب أخرى، ولا يعقل أن يكون هناك أيّ مظهرين متّفقين اتّفاقا تاماً متطابقاً في كل شيء وإلاّ أصبحا شيئا واحدا لا مظهرين مختلفين. وعلى ما يوجد بين العقل والإيمان من نقاط التقاء فإنّهما يختلفان ويتمايزان في نقاط أخرى. والسبب في وجود توتّر خفي في التوفيقية هو انها إذ تؤكّد نقاط الالتقاء والانسجام وتبرزها، فإنّها تحاول أن تقلّل من شأن نقاط الاختلاف أو تتجاهلها ممّا يؤدي إلى تسرّب جرثومتها داخل الصيغة التوفيقية، فتصاب أحيانا بافتقاد التوازن وبتغلّب عنصر على آخر أو تباعدهما، أو تحوّل التوفيق الأصيل بينهما إلى نوع من التلفيق والجمع غير المنضبط بنهج ثابت وقواعد محدّدة. وقد يكون السبب وراء حدوث ذلك التوتّر وقوع تغيّر في مفهوم أحد العنصرين، كأن تتجدّد النظرة إلى العقل ووظائفه ودوره _كما فعلت الثورة العقلية _ العلمية _الجدلية الحديثة _ ولا يعود ذلك العقل بمفهومه الأرسطي الكلاسيكي الثابت الذي توافق معه المفهوم الديني أصلا؛ عندئذ تختلّ المعادلة التوفيقية ويتحتّم تطوير مفهوم الدين تبعا لذلك أو التخلّي نهائيا عن موقف التوفيق بينهما، كما فعل كثير من المفكرين الغربيين المحدثين.
وفي العصر الحديث عندما أقام الشيخ محمد عبده المركّب التوفيقي الجديد بين الإسلام والحضارة الغربية، وبين الإيمان القديم والعلم الجديد، عمل على إقامة التكافؤ والتوازن بين الجانبين لتستقيم فلسفته ولكن التوتّر ظلّ خفيّا فيها إلى أن برز في العلن في صورة تيارين متعارضين انشقّت عنهما توفيقيته على أيدي تلامذته، فسار الشيخ رشيد رضا في اتّجاه سلفي حنبلي النزعة، وسار لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين في اتّجاه تغريبي علماني، تماما كما تفرّع عن المعتزلة قديما اتّجاه الأشعري من جهة واتّجاه السرخسي وابن الراوندي من جهة أخرى فقد: "انطوى تفكير محمد عبده على توتّر دائم بين أمرين لا يمكن فهم أحدهما فهما تاماً بالاستناد إلى الآخر، لكن لكلّ منهما مطلب خاص به لا مفرّ منه: الإسلام الذي يذهب إلى أنه يعبّر عن مشيئة الله... وحركة المدنيّة الحديثة التي لا مردّ لها، المنطلقة من أوروبا، والآخذة الآن في الانتشار عالميا... إلا أنّه لم يعتقد يوما ان بين الاثنين توافقا مطلقا، أي انّ الإسلام يرضى عن كل ما يرضى عنه العالم الحديث، بل كان يعلم بوضوح لأي منهما الأولويّة عند نشوء خلاف حقيقي بينهما... بيد أن التوتّر بين الإسلام والمدنيّة الحديثة كان بحدّ ذاته توتّرا دقيقا، وكان من الصعب... تعيين الحدود بين طرفيه، فنشأت نزعة دائمة لتخفيف حدّته بمحاولة شبه واعية للتوفيق بين وصايا الإسلام، ومفاهيم الفكر الحديث.

غير ان هذا الاختلال في التوازن التوفيقي لا يحدث دائما لأسباب فكريّة خالصة. فاختلال البنية الاجتماعية التي يستند إليهما هذا الفكر يمكن ان ينعكس تأثيره عليه. فقد حدث هجوم الغزّالي على الفلاسفة في وقت بدأ فيه ضغط مزدوج على المجتمع الإسلامي المتحضّر المستقرّ من الأتراك السلاجقة في الشرق، ومن الصليبيين في الغرب. وانهارت توفيقية محمد عبده تحت ازدياد الضغط الأوروبي السياسي والثقافي، كما استعادت هذه التوفيقية توازنها في العقد الرابع من هذا القرن (حوالي 1936) باستعادة الشرق العربي لتوازنه الذاتي في وجه أوروبا. وهذا الملحظ يوحي بأنّ التفويقية ليست فلسفة متجرّدة خالصة تبحث عن الحقيقة أيّا كانت وأيّا جاءت نتيجتها وإنّما هي موقف فكري ملتزم ومنحاز إلى غاية محدّدة منذ البدء. فالتوفيقي ملتزم بتأكيد وحدة الحقيقة وهو ينتقي بعناية دلائل الاتّفاق والانسجام ويستبعد أو يحوّر أو يؤوّل نقاط الاختلاف والتضاد، وهو يسخّر المنهجين العقلي والإيماني لتحقيق غايته بطريقة حجاجية أكثر منها إثباتية أو برهانية.

4_ ينجم عن ذلك أنّ التوفيقية فلسفة ازدواجية ذات منهجين في البحث والنظر وذات نظامين فكريّين مختلفين في الطبيعة والمضمون. فمن حيث المنهج تستخدم الإستقراء والتحليل العقليين من ناحية، وتلجأ إلى التسليم بالحقائق الإيمانيّة عند درجة من البحث، من ناحية أخرى. ومن حيث نظامها الفكري هي دائما منشطرة بين نظامين: نظام إيماني تسليمي صوفي باطني ونظام عقلي تحليلي نقدي موضوعي، أو بلغة عصرنا الحديث هي منشطرة بين الفلسفة المثالية والفلسفة الماديّة تضع عيناً على هذه وعينا على تلك.

* المصدر: الفكر العربي وصراع الاضداد

 الآراء الواردة في هذه الصفحة تعبر عن آراء أصحابها فقط؛ ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الأمير للثقافة والعلوم.

24-06-2008 الساعة 07:44 عدد القراءات 2846    

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جميع الحقوق محفوظة لدار الأمير © 2022