الصفحة الرئيسة البريد الإلكتروني البحث
هبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
الصفحة الرئيسة اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة أخبار ومعارض تواصل معنا أرسل لصديق

جديد الموقع

هبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي

أقسام الكتب

مصاحف شريفة
سلسلة آثار علي شريعتي
فكر معاصر
فلسفة وتصوف وعرفان
تاريخ
سياسة
أديان وعقائد
أدب وشعر
ثقافة المقاومة
ثقافة عامة
كتب توزعها الدار

الصفحات المستقلة

نبذة عن الدار
عنوان الدار
دار الأمير وحرب تموز 2006
About Dar Al Amir
Contact Us
شهادات تقدير
مجلة شريعتي
مواقع صديقة
هيئة بنت جبيل
اصدارات مركز الحضارة

تصنيفات المقالات

عملاء حرب تموز
ريشة روح
قضايا الشعر والأدب
شعراء وقصائد
أقلام مُقَاوِمَة
التنوير وأعلامه
قضايا معرفية
قضايا فلسفية
قضايا معاصرة
الحكمة العملية
في فكر علي شريعتي
في فكر عبد الوهاب المسيري
حرب تموز 2006
حرب تموز بأقلام اسرائيلية
English articles

الزوار

9196099

الكتب

279

القائمة البريدية

 

هوية الشعر الصّوفي

((قضايا الشعر والأدب))

تصغير الخط تكبير الخط

هوية الشعر الصّوفي بين الأصالة والحداثة
"منتدى الربيع الأدبي" – علي النهري / الجمعة 2/8/2019م.

محمد حسين بزي

كلمة لا بدّ منها
ما سأقوله هنا؛ هو قولي وحدي، ولا أحمّلُ التصوّف أو الشعر الصوفي تبعاِته، وأضيف: إنّني لستُ شاعراً صوفياً

alinahri1الصّوفيّون الكبار كالحلّاج وعين القضاة الهمداني والسُّهروردي وشمس تبريز ومولانا وصولاً إلى صدر المتألهين وختاماً بالإمام الخميني الذي كان رأسَ العرفان في زمانه.. نراهم قد حوربوا وكفروا وقتلوا واحرقوا وسجنوا ونكل بهم أشدَ تنكيل على أيدي ولاة زمانهم، لكنهم بقوا وبقيت أفكارهم وها نحن في هذا المنتدى نعرضها وندرسها ونتدارسها _وبغض النظر عن الأحقية_ أتدرون لماذا أيها الكرام؟ لأنهم كانوا مخلصين.. الإخلاص هو الذي ينشر الأفكار ويخلدُ أصحابها. أين الذين قتلوهم ونفوهم وكفروهم ووووو لا ذكر لهم،، ألا يجدر بنا التدبّر في هذا؟ ولاة الأمر لا يريردون انتشار ثقافة الحبّ، يريدون انتشار ثقافة الطاعة العمياء القائمة على كراهية الآخر وغالباً باسم الدين.. ما هذا؟ إنّه الاستحمار بتعبير علي شريعتي، وإنّه الاستحمار الديني تحديداً.
وذكرت الإمام الخميني لأقول: لم يحارب الخميني على قيادته أو مرجعيته أو ثوريته بقدر ما حورب على نهجه العرفاني في السير والسلوك حتى وصل الأمر أن طلاب المدرسة الفيضية في قم كانوا يطهرون كوب الماء الذي يشرب منه ابنه السيد أحمد لأنّ أباه كان يدرس الفلسفة والعرفان.

مقدمة
من الصعوبة بمكانٍ تحديدُ هويةِ الشعرِ الصوفي بهذه العجالة، لأن الأمر يتطلب (منهجياً) تعريف التصوّف أولاً،، والكشف عن المقومات الفنية والجمالية لهذا النوع من الشعر ثانياً، وعن آلية اشتغالها فيه زمنياً ومعرفياً من ناحية ثالثة، هذا فضلاً عن اشكالية المصطلح  والتعريف والمفهوم؛ قصدت الشعر و التصوف.. ولا ريب فإنّنا في هذه الحالة  سنكون بحاجة إلى محاضرة بل ربما إلى مخاطرة تستقل بنا لساعات بدل هذه العهدةِ من الدقائق الممنوحة لي لفرد هذا العقدِ الثمين على مسامعكم؛ والذي حملني عبئَه مشكوراً الجميل الشاعر الأستاذ سليمان جمعة في رحاب هذا المنتدى الربيعي بامتياز شرف المكان ومكان الشرف بينكم.
عطفاً على ما تقدم، فإنني سأعتمد طريقة "الخلاصات" مستعيناً بنباهتكم ومستنداً إلى رحابة صدوركم.

التصوّف جوهراً ومقصداً
بغض النظر عن المفهوم والاصطلاح والتعريف؛ يقصد بالتصوّف تلك التجربةْ الروحانية الوجدانية التي يعيشها السالكُ المسافر إلى ملكوت الحضرة الإلهية من أجل اللقاء بها وصالاً وعشقاً، ويمكن تعريفه كذلك بأنه تحلية وتخلية وتجلٍّ، أيضاً يمكن القولُ بأنّ التصوّف هو محبّة الله والفناء فيه و_الاتحاد به_ كشفًا وتجليًّا من أجل الانتشاء بالأنوار الربانية والتمتع بالحضرة القدسية بعد ترشح المعرفة اللدنية نتيجة رياضات النفس ومجاهدات الهوى.
وإنّ للتصوف من التعريفات الكثير؛ حتى ذهب (البيروني) إلى أن التصوّف مُشتقٌ من كلمة (صوفيا) اليونانية، والتي هي بمعنى الحكمة.،، وهذا أمر غريب عجيب من علّامة كالبيروني.. ولكنّني أرجحُ تعريفَه بحسب الزمان والمكان والضرورة، أي بالتعريف الذي بقي مستمراً حتى الآن وهو الصفاء والصفو وما تبعهما من شروحات قد اتكأت عليهما.. لأنّ من يتأملُ الاشتقاقات اللغوية لكلمة التصوف، فإنّه سيجدُ أنّ الكلمة تدل على عدة معانٍ كالدلالة على الصفاء والصفو؛ لأنّ همّ المتصوّف هو تزكيةُ النفس وتطهيرها وتصفيتها من أدران الجسد وشوائب الماديات. وإذا كان التصوّفُ في حقيقته شيئاً واحداً على قاعدة لا مشاح في الاصطلاح، فإنّ الفوارق الوحيدة بين شتى مذاهبه وطرائقه ومسالكه تنحصر في العنوان والزي، وأسماء المراتب، ومصطلحات وأدبيات كلّ طريقة، ويتحدد ذلك كلَّه بدافع كلّ حركة صوفية على حدة. ومن الممكن حصر هذه الخلافاتِ جميعِها مع شدة تباينها في كلمتين اثنتين هما "المعرفة" و"الحبّ"، فمن المعرفة انطلقت الفلسفات العقلية واللاهوتية والميتافيزيقية شرقاً وغرباً حيث إنّ التصوّف ليس حكراً من الناحية التاريخية على المسلمين ولا حتى على الذين يدينون بأي دين كما هو شائع. ولكن مجال بحثنا هنا هو هويةُ الشعر في التصوّف الإسلامي.
ومن "الحبّ" انبثقت عناوينُ المبادئ والمثل الإنسانية العليا، وأفكارٌ أسست لمناهج فلسفية كبرى، خاصة ما اصطلح عليه بالتصوّف الفلسفي ورأسه ابن عربي، والتصوّف العقلي وعلى رأسه الشيخ الرئيس ابن سينا، أيضاً شجاع عصره شهاب الدين السهروردي رأس حكمة الإشراق وشهيدها الأكبر.

هل عصرنا بحاجة إلى التصوّف ..؟
بكلّ بساطة الإجابة بـ نعم، لأنّ الفكر الصوفي يستمد أهميته المعرفية والإنسانية من بواعث عدة، تجعلُه يكتسي طابع الإلحاح والراهنية، ومن جملتها حاجةُ هذه الأمةِ إلى التربية الروحية والعرفانية في زمن تعاظمت فيه النزعاتُ المادية والميولُ الفردية المدمرة والذي أصبح الإنسان فيها موظفاً عند الآلة بتعبير غارودي، هذه الماديةُ وتلك الفرديةُ أفقدت الأمةَ روح الجماعة، فلم تعد تراعى القيم الإسلامية ذات البعد الإنساني والأخلاقي في الجوهر والمبدأ، كما لا تراعى الغايات القصدية من شريعة السماء.
ولا تفوتُني الإشارة إلى أنّ  التصوّف منذ استوائه في القرن الثاني للهجرة وحتى اليوم تعرّض لعدد كبير من الاتهامات، بل وللهزّات العنيفة التي بلغت حدود الإنكار، ورمي أهله بالشرك والزندقة، والتبديع كما تقدم، ورغم ذلك استطاع التصوّفُ بتجربته الروحية الصمود والانتشار في وقت أعلنت فيه العديد من التيارات الفكرية إفلاسَها. ويجدر بي الاعتراف أيضاً؛ إنّ أخطر أنواع الإساءات التي تعرض لها الفكر الصوفي هي تلك التي صدرت عن بعض المنتسبين إليه أو الذين يحسبون أنفسَهم عليه، أولئك الذين تفلتوا إلى الجهالة فأهملوا الواجباتِ الشرعيةَ، بل وعطلوا الأحكام وأعملوا التأويلَ الموهم مقابلَ النصِ الصريح، واشتغلوا بالشطح والهرطقة، وانشغلوا بالخوارق والكرامات المزعومة.

التصوف الجامع للأديان
أيضاً، لا بد لي من الإشارة ولو سريعاً إلى التصوّف في الأديان الأخرى؛ ففي المسيحية تراث كبير من التصوف. ومن الكتب التي توضحه وتشرحه "خلاصة التصوّف المسيحي" للكاتب أدولف تنكره الصادر عام 1956م. و"النشيد الروحي" للقديس يوحنا الصليب الملقب بـ"أمير التصوّف المسيحي" نظراً لدوره الكبير في إثراء التصوّف المسيحي بكلماته ومؤلفاته. وأشير إلى الراهب الكاثوليكي جوردانو برونو القائل بلا نهائية العالم والذي يعتبره أتباعه فيلسوفاً ومتصوفاً بلا ريب، وقد أعدمته الكنسية حرقاً سنة 1600م. بتهمة الهرطقة وكان له من العمر حوالي خمسين سنة. أيضاً ثمة ارهاصات تصوّف في لاهوت التحرير الذي تبلور في أمريكا اللاتينية في سبعينيات القرن العشرين مع رينيه باديلا من الإكوادور، وصموئيل إسكوبار من البيرو، حيث دعوا للـ "المهمة المتكاملة"، مشددين على التبشير بالإنجيل وما يحمل من دين المحبّة، وعلى المسؤولية الاجتماعية، والتحرر السياسي للشعوب المضطهدة، وهو ما كان يمثل الممارسة السياسية لعلماء الدين في أمريكا اللاتينية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، مثل جوستافو غوتياريز من البيرو، ليوناردو بوف من البرازيل، وخوان لويس سيغوندو من الأوروجواي، وجون سوبرينو من إسبانيا، الذين جعلوا عبارة "الخيار التفضيلي للفقراء".
كذلك من المهم المرور على التصوّف اليهودي التصوّف اليهودي الذي كانوا يسمونه (التنبؤ)، وأنهم كانوا يسمون الواصل إلى الجذبة وأحلامها (نبي)، ويسمون شيخ المسلك (صوفي)، أي المراقب أو المرشد. وكانت عندهم عدة طرق، منها (الإلكسائية) و(الأبيونية).

وعلى قاعدة "الخلاصات" يأتي السؤال من هو الصوفي؟ فيجيب الشاعر:
تنازع الناسُ في الصوفيّ، واختلفوا= فيه وظنّوه مشتقّاً من الصوفِ
ولست أنحلُ هذا الاسمَ غيرَ فتًى = صافَى فصُوفِيَ حتى لقّب الصوفي

بعد كلّ ما تقدم نخلص إلى أن التصوّف بكلّ تياراته قائم على حوارين: حوار الحبّ وحوار الحياة

يقول شمس الدين التبريزي:
لا يوجد فرق كبير بين الشرق والغرب، الشمال والجنوب.. فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرحلة التي تقوم بها رحلةً في داخلك؛ فإذا سافرت في داخلك، فسيكون بوسعك اجتياز العالم الشاسع وما وراءه.
ويقول جلال الدين الرومي
كن في الحبّ كالشمس وفي الصداقة كالنهر وفي التواضع كالتراب.
وأقول: إذا كانت الفلسفة تعني حبّ الحكمة فإنّ التصوّف يعني حبّ الله، وكما أنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، فإنّ طرق محبّة الله بعدد أنفاسهم أيضاً، من هنا أدعي أنه ليس لأحد أن يدعي احتكار التصوّف بشكل عام، ولكن إذا قلنا التصوّف الإسلامي تحديداً فإنّنا محكومون بالشريعة وأحكامها، وقد أسس لهذا السيد حدير آملي وهو من علماء القرن الثامن الهجري؛ بمقولته: الشريعة ثم الطريقة ثم الحقيقة. وللإشارة فإنّ استمرار حياة ابن عربي وتخليده في العرفان الشيعي مدينٌ لهذا العارف الكبير.
ومن هنا سأشرع بخلاصاتي عن الشعر الصوفي وهي سبع :
(1) يعد الشعر الصوفي نوعاً من الأدب الذي جاء به الصوفيون على اختلاف اتجاهاتهم، ويتمثل برقيه عبر قصائده العمودية قديماً. ويتميز بأسلوبٍ يدخل الطمأنينة إلى القلب ساعياً إلى تطهير الروح والنفس من حب الدنيا. مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يحب؛ بل يجب أن يحب كلّ خلق الله بشتى مشاربهم وأديانهم على قاعدة حاكمية الحبّ في الوصول إلى الحق، وهذا ما يعبر عنه الشيخ الأكبر ابن عربي المتوفى 638هـ الموافق 1240م. حيث يقول:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صارَ قلـبي قابلاً كلّ صُـورةٍ
فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ
وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ
وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
أديـنُ بدينِ الحبّ أنّى توجّـهـتْ
ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني.

(2) من سمات هذا الشعرِ التعبيرُ الرمزي لعدة أغراض منها حجب هذا العلم عن غير أهله، _وعلى النقيض_ من سماته المجاهرة بالحب الإلهي حدّ التهوّر ومثالها الحلاج المقتول عام 922م، أيضاً الحديث عن باطن النفس وأسرارها وغالباً مع عدم الاحتفال بالفخامة والجزالة. وما أجمله حين يقول "الحلاج":
أَحْـرُفٌ أَرْبَـعٌ بِـهَـا هَــامَ قَـلْـبِــي   وَتَـلاَشَتْ بِهَـا هُـمُومِي وَفِـكْرِي
أَلِفٌ أَلَّفَ الْخِلاَئِقَ بِالصُّنْعِ الجَمِيلِ  فَــلاَمٌ عَـلَـى الـسَّـلامَةِ تَـجْـرِي
ثُــمَّ لاَمٌ زِيَــادَةً فــي الْـمَـعَـالِـي  ثُــمَّ هَــاءٌ بِــهَــا أَهِـيــمُ وَأَدْرِي

(3) الصفاء والشوق ومن ثم الاشتياق والأنين من الاصطلاحات الصوفية التي يقصد بها توحيد الخالق بصورة خالصة. وقد استُخدم رمز الخمر في هذا الشعر الذي يعني عند شعراء التصوّف سكر الأرواح وعشقها للخالق، وفي هذا يقول السهروردي:
أَبداً تَحنُّ إِلَيكُمُ الأَرواحُ    وَوِصالُكُم رَيحانُها وَالراحُ
وَقُلوبُ أَهلِ وِدادكم تَشتاقُكُم    وَإِلى لَذيذ لقائكم تَرتاحُ
وَا رَحمةً للعاشِقينَ تَكلّفوا    ستر المَحبّةِ وَالهَوى فَضّاحُ
بِالسرِّ إِن باحوا تُباحُ دِماؤُهم     وَكَذا دِماءُ العاشِقينَ تُباحُ
أَفناهُم عَنهُمْ وَقَد كشفَت لَهُم    حجبُ البقا فَتَلاشتِ الأَرواحُ
فَتَشَبّهوا إِن لَم تَكُونوا مِثلَهُم        إِنَّ التَّشَبّه بِالكِرامِ فَلاحُ
قُم يا نَديمُ إِلى المدامِ فَهاتها    في كَأسِها قَد دارَتِ الأَقداحُ
هيَ خَمرةُ الحبّ القَديمِ وَمُنتَهى    غَرِضِ النَديمِ فَنعم ذاكَ الراحُ.

(4) يتميز الشعر الصوفي بالقصائد النورانية والحبِّ الذَين يستحوذان على القلب المتشوق، فنجد ابن الفارض المتوفى 1235م يقول:
قَلْبِي يُحَدِّثُنِي بِأَنَّكَ مُتْلِفِي    رُوحِي فِدَاكَ عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَعْرِفِ
لَمْ أَقْضِ حَقَّ هَواكَ إِنْ كُنْتُ الَّذي لَمْ أَقْضِ فيهِ أَسًى وَمِثْلِيَ مَنْ يَفِي
مَا لِي سِوَى رُوحِي وَبَاذِلُ نَفْسِهِ فِي حُبِّ مَنْ يَهْوَاهُ لَيْسَ بِمُسْرِفِ
فَلَئِنْ رَضِيتَ بِها فَقَدْ أَسْعَفْتَني يَا خَيْبَةَ الْمَسْعَى إِذَا لَمْ تُسْعِفِ.

(5) الحبّ الإلهي واللغة والرمز والخيال والإشادة برجالات الوله من ركائز هذا الشعر ومثاله مولانا الرومي عن شمس تبريز.
متذكراً شفتك، أقبل الياقوت الأحمر
لا أملك أن أرتشف، شفتاي لا تمس هذا
يدي المبتهلة لا تصل إلى سماك البعيدة
ولذا فأنا راكع أعتنق الأرض.

(6) يتخذ الشاعر الصوفي من الحبّ موضوعه عن الذات الإلهية ولذة حبّ الله سبحانه، كما يصف من خلاله الوصال واللوعة وكل ما يمر به من أحوالٍ ومقامات. وفي طياته المجاهدة بالنفس والزهد في الدنيا والإلهام القلبي والفيض الرباني.

(7) أفاض الصوفيونَ في أشعارهم بالحبّ الإلهي الذي يتعلق بحب العبد للخالق وبحب الخالق للعبد. ونجده مع رابعة العدوية إذ تقول:
أحبُّكَ حُـبَّـيـنِ حُـبَّ الهَــوَى    وحُـــبًّــا لأنـــكَ أهْــلٌ لِــذَاكَ
فَـأمَّا الـذِي هُـوَ حُـبّ الهَــوى    فشُغْلِـي بذكـرِكَ عمَّنْ سِوَاكَ
وأمَّـــا الــذِي أنْـــتَ أهْـــلٌ لَـــــهُ    فكَشْفُــكَ لِـي الحُجْـبَ حتَّى أرَاكَ

خلاصة ما تقدم
ليس لأحد أن يقرر أن يكتب شعراً صوفياً أو حتى نثراً صوفياً كما الوصف أو العزل أو الهجاء أو المدح بالمعنى الأخص،، ولا أقصد هنا دراسة التصوّف أو الشعر الصوفي أو البحث فيهما؛ لأنه وببساطة، فإنّ الشعر الصوفي هو نتيجة تجربة روحية فريدة وخلّاقة وفيها من المعاناة والمجاهدات والمكابدات والمشاهدات واللذّات ما فيها، يبثها السالك بلغة موسيقية أو مموسقة أو مغنّاة أو منشدة تعبّر عن السير والسلوك للحق سبحانه، ومنها نشأت مدراس كبرى كالمولوية وجل تراثها الصوفي كان شعراً ..   وليس لأي شعر وإن حاكى الصوفية أن يكون شعراً صوفياً حقيقياً إلّا إذا كان نتيجة للتجربة التي أشرنا إليها. 

الشعر الصوفي المعاصر
منذ انطلاقة الشعر العربي المعاصر أو ما يُعرف بشعر التفعيلة في منتصف القرن العشرين، بدأ الشعراء يشغِّلون التراث في شعرهم على غرار تجربة "إليوت" في قصيدته الأشهر «الأرض اليباب»، حينما اتكأ على الموروث الأسطوري لنعي الحضارة الغربية وإعلان إفلاسها، وللسخرية ختم إليوت قصيدته المؤلفة من 434سطر بالسنسكريتية قائلاً: "شانته شانته شانته".. واقتداءً بـ إليوت غدا الشعراء العرب المعاصرون يوظفون التراث الأسطوري والتاريخي واستخدام الأدوات الدينية والفنية والأدبية والصوفية، وتشغيل الرموز المكانية والطبيعية واللغوية من أجل خلق قصيدة الرؤيا والانزياح التي تتجاوز طرائق الاجترار والامتصاص والاستنساخ في التعامل مع التراث إلى طريقة الحوار والتناص. ونادراً ما نجد شاعراً عربياً معاصراً يكتب شعر التفعيلة أو الشعر المنثور دون أن يوظف هذا التراث أو يشاغل الكتابة الصوفية أو يستلهم الشخصيات الصوفية أو يستعمل تعابير المعرفة اللدنيّة أو يستحضر مقتبسات المتصوفة أو ينحو منحاهم في التخييل والتجريد واستعمال الرموز والاستعانة برشاقة الأسلوب وتلوين النصوص الشعرية بنفحات الدين والعرفان والتأمل، وهذا الأمر مثّل ظاهرة واضحة في الشعر المعاصر.
ومن الشعراء الذي وظفوا الخطاب الصوفي وهم ليسوا بصوفيين نذكر: بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، عبد الوهاب البياتي، أدونيس، وصلاح عبد الصبور، محمد الفيتوري، خليل حاوي، محمد عفيفي مطر، محمد محمد الشهاوي، ومحمد بن عمارة، وأحمد بلحاج آية، ومحمد علي شمس الدين الذي يقول في قصيدته دمـوع الحـلاّج 
أعْليْتُ دُمُوعي
كَيْ تُبْصِرَها يا ألله
وَقُلتُ: أُعيدُ لكَ الأمْطارْ
فَلْتَنْشرْ غَيْمَكَ حَيْثُ تَشَاءْ
فإنَّ، الغَوْثَ يَعودُ إليكْ
والحُزْنَ يَعودُ إليَّ
وَأنا
حِينَ رَبَطْتُ الريحَ
بِخيَمةِ أوْجاعي
وشَدَدْتُ بميثاقي عَصَبَ النايْ
جَمَّعتُ يَنابيعَ الأرضِ
ففاضَتْ مِنْ أَلَمي
هذا أَلمَي
قُرباني لجمالِكَ، لا تغضب 
فأنا لستُ قوياً حتى تنهرني بالموت 
يكفي أن ترسلَ في طلبي 
نسمةَ صيفٍ فأوافيكْ 
وتحرّكَ أوتارَ الموسيقى 
لأموتَ وأحيا فيك 
هذا ألمي 
هذا ألمي 
خفّف من وقع جمالك فوق فمي.

ختاماً، يبقى الأصيل والثابت في حق هذا الشعر، هو جمال الفكرة الصوفية نفسها، والتي استمدت جمالها من جلال معانيها الراقية السامية، ذات النزعة الأخلاقية، التي هي أصل من أصول التصوّف وثوابته. أيضاً يبقى الإنجاز الباهر الذي حققه هذا النوع من الشعر، لـمَّا استطاع الجمع بين ما هو فنيّ وما هو أخلاقي في توليفة واحدة تتجدد مع كلّ شروق.
 

05-08-2019 الساعة 15:17 عدد القرآت 236    

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جميع الحقوق محفوظة لدار الأمير © 2008