الصفحة الرئيسة البريد الإلكتروني البحث
علي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنمعرض الكويت الدولي للكتاب 2019صدر حدياً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
الصفحة الرئيسة اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة أخبار ومعارض تواصل معنا أرسل لصديق

جديد الموقع

علي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنمعرض الكويت الدولي للكتاب 2019صدر حدياً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي

أقسام الكتب

مصاحف شريفة
سلسلة آثار علي شريعتي
فكر معاصر
فلسفة وتصوف وعرفان
تاريخ
سياسة
أديان وعقائد
أدب وشعر
ثقافة المقاومة
ثقافة عامة
كتب توزعها الدار

الصفحات المستقلة

نبذة عن الدار
عنوان الدار
دار الأمير وحرب تموز 2006
About Dar Al Amir
Contact Us
شهادات تقدير
مجلة شريعتي
مواقع صديقة
هيئة بنت جبيل
اصدارات مركز الحضارة

تصنيفات المقالات

عملاء حرب تموز
ريشة روح
قضايا الشعر والأدب
شعراء وقصائد
أقلام مُقَاوِمَة
التنوير وأعلامه
قضايا معرفية
قضايا فلسفية
قضايا معاصرة
الحكمة العملية
في فكر علي شريعتي
في فكر عبد الوهاب المسيري
حرب تموز 2006
حرب تموز بأقلام اسرائيلية
English articles

الزوار

9397871

الكتب

279

القائمة البريدية

 

الأبعاد الحضارية والجمالية في رواية شمس

((قضايا الشعر والأدب))

تصغير الخط تكبير الخط

 الأبعاد الحضارية والجمالية في رواية شمس للدكتور محمد حسين بزي
" 1 "
omarshebliشدّتني رواية " شمس " أميرة عربية عاشقة لصديقنا الأديب الدكتور محمد حسين بزي للعودة إلى معالم وإنجازات حضارتنا العربية الإنسانية التي جعلت أمتنا العربية عصيّةً على التلاشي، والتي بلغت مدىً حضارياً عالياً كما يؤكد المؤرخون الغربيون: "لو حُذِفَ العرب من التاريخ لتأخرت نهضة أوروبا ألف سنة"، وكما يؤكد أديبنا محمد حسين بزي في رواية " شمس "، والرائع في هذه الرواية أن كاتبنا يستعيد روائياً أسباب بلوغ العرب، وقبل الإسلام بمئات السنين هذا المدى الحضاري والنضج الإنساني، وعلى سبيل المثال الذي تحكيه هذه الرواية في مملكة "أوسان" القحطانية العربية الغنية الممتدة الأطراف في كل اتجاه" ــ  شمس ــ ص ــ، وهذه الأسباب هي الوعي والقوة المحصنة بالوعي والتمسك بمكارم الأخلاق التي جاء الرسول العربي ليكملها، والذي حدد بعثته بإتمامها: "إنما بُعثتُ لأتممَ مكارم الأخلاق"، والحديث، كما نرى واضح الدلالة، في تبيان مكارم الأخلاق عند العرب قبل البعثة النبوية. والتي كانت بفعل أخلاقيتها مهيّأة لاستقبال السماء. وهذا قدني تلقائياً لإثبات هدف هذه الرواية الملتزمة بقضايانا القائمة على قوة الأخلاق ووقوفها في وجه المظالم. ودليلنا "حلف الفضول" الذي عُقد في أم القرى قبل البعثة النبوية، دفعاً للمظالم، وانتصاراً لقيم الحق وكرم الأخلاق في أمة كانت مهيّأةً وذات فيض روحي حضاري تراكم ونما من تجربة أمة ذات مدنية وحضارة ضاربة في عمق التاريخ بوجودها ودلالاتها الشاهدة على نضج أمةٍ، أتاح فيضها الروحي والحضاري للأرض أن تنتج حضارة لا تزال عميقة الجذور، وحاملة قيم الإنسان الكبرى" الحرية وكرم الأخلاق والحب ومحاربة الجوع والفساد والظلم. وقد يكون هذا الكلام مردوداً عند الذين يريدون إلقاء هناتنا المعاصرة على تاريخ لم تزل آثاره ضاربة في عمق الوجود الإنساني، وفي شعر نسميه "جاهلياً"، وفيه نقرأ لحاتم الطائئ، وهو يخاطب عبده في ليلة شديدة القر:

                      أوقدْ فإنّ الليلَ ليلٌ قرُّ        عسى يرى نارك من يمرُّ
                                       إن جلبتْ ضيفاً فأنت حرُّ
 
هذا الذي جعل الرسول العربي يقول للمسلمين في ابنة حاتم الطائي "الجاهلي": "خلّوا سبيلها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق". هذا هو المعنى الأبعد لغاية رواية أديبنا الكبير. إنه يريد أن يقول لنا إن ما نسمّيه جاهليةً هو ظلم لتجربة أمتنا الروحية والحضارية. وليس حلف الفضول سوى صورة عن وعيٍ تحول قانوناً. يقول رسولُ الإنسانية محمد بن عبد الله العربي في هذا الحلف: "لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أُحِبُّ أنّ لي به حمرَ النِعم، ولو دُعيتُ به في الإسلام لأجبت"، وكان عمر الرسول آنئذٍ عشرين عاماً، وقال الزبير بن عبد المطلب في هذا الحلف:
 
إنّ الفضولَ تحالفوا وتعاقدوا      ألاّ يُقيمُ ببطنِ مكّةَ ظالمُ

إن للأدب غاية متوخاة يريد الكاتب نقلها إلى المتلقي، ويريد إقناعه بها، حتى، ولو حاولَ ادعاء الحيادية فيما يكتب، والحقيقة أن لا حيادية في قضايا الأمة الكبرى، وقضايا الإنسان الأولى والأخيرة، الحرية والحب والحلم. وأديبنا من أول الرواية حتى آخرها ينتصر للحب وللقيم العليا  التي تبنى عليها صروح الحضارة، وليست كلمة صديق الكاتب، والذي لم يُذكَر اسمه، إلا التعبير الصادق عن روح هذه الرواية وتوجهاتها. يقول صديق الكاتب مُشجِّعاً على نشر الرواية: "هذه الرواية بمثابة تجسيرٍ معرفي لقطيعة تاريخية امتدت مئات السنين مع العرب القحطانيين الذين بنوا حضارات وحضارات قبل الإسلام بمئات السنين في الجزيرة العربية وقلبها اليمن.. نعم وقلبها اليمن، ولهذا أرى أن نشرها هذه الأيام هو واجبٌ أخلاقي يا صديقي". وأنا أرى أن هذه الرواية، وبصرف النظر، عن مداها الروائي تعتبر من عيون الأدب الملتزم الهادف إلى نهضة الأمة وتنقية الشوائب التي علقت بتاريخنا فيما بعد، وبخاصة في مرحلة الاستعمار العثماني الذي هيمن على حضارتنا، ومحاولاً إطفاء أنوارها، نعم، هذا الاستعمار الذي استمرّ أربع مئة سنة، ماحياً المعرفة والعروبةَ الإنسانية الحضارية، والتي بلغت في عصر الخليفة العباسي "المأمون" قمة نضجها الإبداعي بعد انفتاحها على التثاقف مع أفكار وآداب الأمم الأخرى، والتي لم تُسَمَّ يومها غزواً ثقافياً. وقد أدرك كاتبنا الدكتور محمد حسين بزي ذلك، وراح بنفسه يوضح غايته من كتابة رواية " شمس "، يقول: "الأكيد أيضاً أن العرب الأوائل عرفوا القيم والشجاعة والحكمة والنضج السياسي والشرائع الناظمة للمجتمع قبل ظهور الإسلام بمئات السنين" شمس ــ ص 8 ــ

الدكتور محمد حسين بزي لا يعتبر روايته تأريخاً لأحداث، وإنما يعتبرها "صرخة لنبش ذلك التاريخ العظيم من تحت التراب" ــ شمس ص 9 ــ  ويشير الكاتب في روايته إلى غائية هذه الرواية، وهو يعتقد صادقاً ومنحازاً لأمته أن غايات قصوى هادفة تكمن وراء طمر هذه الحضارات العريقة بتراب التاريخ المخصب والقاحل في آن. ويرى أديبنا أن هناك من يريد التنكر لإنجازات هذه الحضارات الجامعة بين الإبداع المادي الذي كشفته الحفريات، وبين الإبداع الفكري الذي بلغ قمته في المعلقات، وقبل بزوغ أنوار الرسالة الإسلامية. يقول كاتبنا: "إن ثمة حضارة عريقة كانت للعرب قبل ظهور الإسلام.... فهل عملية الإقصاء هذه من صنع المجهول..! أم أن هناك من يضيره الوعي التاريخي اللازم لدراسة مراحل تطور الذات الإنسانية العربية في بعديْها الفكري والحضاري؟". ــ شمس ص 11 ــ وهنا تتجلى القيمة العالية لهذه الرواية الهادفة، ومن هذا المنطلق ندعو الآخرين لقراءة هذه الرواية لنكتشف صلتنا العميقة بكل ما أنجزه الإنسان من تقدم. ويتبين حرص كاتبنا على تقصي إنجازات هذه الحضارة العظيمة بتساؤله المُرِّ: "لماذا لا يتم انتزاع هذا التاريخ من باطن الأرض حتى الأن، وذلك من خلال تشكيل ودعم وإثراء بعثات أثرية مدعومة من الحكومات العربية ذات الشأن والجغرافية؟" ــ شمس ــ ص ــ ص 11 ــ

                                            *****
تُرَكِّزُ الرواية على ذاكرتيْن تاريخيتيْن لمعرفة هذه الحضارة العربية التاريخية، فيركز على الظواهر الفكرية والظواهر المادية في هذه الحضارة.

أ ــ المظاهر المادية في مملكة "أوسان": يتعجب المرء، وهو يقرأ وصفاً دقيقاً لمظاهر العمران والرقي والأناقة في هذه المملكة ونظيراتها في اليمن الذي كان سعيداً. إن قلعة "تاريم" مثلاً كانت من أكبر القلاع في شبه الجزيرة العربية، كانت "شامخة كالقمم، وقاعدتها كقاعدة الهرم، تحيط بها أربعة أبراج... مساحة القلعة مئة وخمسين ألف ذراع.. وشيدت فيها غرف عديدة وقاعات، بالإضافة إلى أربعة أدراج... ويدور حول القلعة خندق مبني بالحجارة الكبيرة، وأرضيته مبلطة... ناهيك عن بابها الكبير المصفح بالحديد... ومقامة حول واحة مستديرة... تتفجر منها ثلاثة ينابيع محاطة بأشجار النخيل، وتسيل مياهها في قناة من الصفيح، تمرّ من تحت الأسوار.. والسر في بناء القلعة حول الواحة هو الاحتفاظ بمياه الينابيع في داخلها فيما لو تعرضت لهجوم قوي واضطرت إلى إغلاق بابه الكبير في وجه الأعداء" شمس ــ ص33 ــ34 ــ . وكانت الفتيات الأميرات يستحممن بأحواض المياه الممزوجة بالعطور، وكانت شمس بنت الوصي "يشجب" " ذات أريكة في حمّامها، وتتعطر بالدهون المصرية، والخزامى العربي... وتجلس بعد ذلك في الشمس بقلنسوتها وغلالتها العنّابية الشفافة والثوب القطني  الأسمانجوني" ــ ص ــ 16 ــ وكان للأميرة شمس أريكة مخملية مبطنة بريش الأوز.. وثلاث ريشات ربَد من ريش النعام سابحات في فراء النمور. شمس ــ ص ــ 14 ــ .

أما عرش الملك: "فمتقن الصنع من الذهب الخالص المرصّع بالأحجار الكريمة، يقوم على جانبيه تمثالان لأسدين متحفزين للوثوب من النحاس المصقول، وعلى الجانبين ستائر المخمل المشغول بالقصب بلونها العنبي الفاخر،وقد وُضعت مقاعد وثيرة من خشب الدردار، مبطنة مقاعدها بريش الأوز.....أما القاعة فقد فُرشت بالبسط الصفراء الفاخرة... " شمس ــ ص25 ــ 26 ــ .

إن تأمل هذه المظاهر الرائعة وغيرها يدل على مدى التطور الحضاري الذي وصلت إليه تلك الممالك المطمورة بالتراب اليوم كأهلها اليوم أيضاً، وهم مطمورون أيضاً، وما سد مأرب الذي تكلم عليه القرآن الكريم وعلى مملكة سبأ التي شبهها القرآن بالجنة، ومدى أناقة تلك الممالك إلاّ دليل واضح على أن العرب بنوا ممالك عالية، وأنجزوا فعلاً حضارياً، لا تزال بعض آثاره في اليمن غير السعيد واضحة الملامح كقصر غمدان مثلاً. لقد عفاها الزمن، وصارت دارسة ومطمورة بالتراب بفعل الزمن وتخلي أهلها عن نبشها.

ومن أهم المظاهر المادية على حضارة مملكة أوسان العربية القحطانية اتكاؤها في معيشتها على خمسة موارد، وسنعددها باختصار لنثبت أن العرب القدامى كانوا أمة متقدمة، وتنتمي إلى أعلى درجات السلم الحضاري للأمم الحضارية آنئذٍ، ,اعتقد أن قيمة الرواية تكمن أساساً في تبيان ألق تلك الحضارات العربية القديمة. والموارد الخمسة هي:

1 ــ تجارة البخور، وما يرد من مناجم الذهب والفضة والنحاس
2 ــ صناعة الغزل والأقمشة وصناعة الأسلحة.
3 ــ تجارة القوافل البرية.
4 ــ  تجارة القوافل البحرية.
5 ــ الأسماك واللؤلؤ والمرجان.

إن مملكة تنجز كل هذا الحضور الحضاري تستحق من أدبائنا المعاصرين أن ينبشوا تلك الكنوز المدهشة الخالدة. وهذا هو معنى الالتزام في النتاج الفكري والأدبي، إنا نريد أقلاماً مؤمنة بتراثها، وتنهض مؤمنة أن تراثها ليس لها إن لم تكن في حاضرها جديرة بالانتماء إلى عصرها. رواية "شمس" بهذا الفهم العميق للأدب تستحق القراءة، وتستحق الكتابة عنها وعليها. إنها رواية هادفة في توجهها وغاياتها.

إنّ بناء بهذا الدقة والجمال، واقتصاداً يدار قبل آلاف الأعوام بهذه السياسة الحكيمة يؤكدان أن صانعي هذا الإنجاز الحضاري المادي كان لديهم مهندسون من الدرجة الأولى وصانعو أسلحة ومنتجو وسائل أخرى حاذقون مَهَرة. "كما أنّ الاكتشافات الأثرية مؤخراً دلّتْ على الكثير من حضارة ونُظم عمران "مملكة أوسان"، سيما تلك التماثيل المرمرية لملوكها، والتي تعد أول وأنفس تماثيل تصل إلينا عن ملوك العرب قبل الإسلام" ــ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي ــ ج2 ــ ص 386. وهذا لا يمكن أن ينجز إلا بحضور ونماء فنون عريقة وعقل خلاّق،  وفي ظروفٍ سياسية ممتازة، وملائمة، وناتجة عن وجود قوانين  دقيقة منظِمة ومحاسِبة في آن.
                                        *****
ب ــ على الصعيد الفكري:
يذكر أن مملكة "أوسان" القحطانية كانت لها شرائع دينية، ومعابد، ونظُم سياسية، حيث كان على ولي العهد أن يُنصَّبَ ملكاً بعد سن العشرين، ليكون مؤهلاً لإدارة شؤون البلاد بشكلٍ صحيح. وكان الوعي الاجتماعي يظهر على لسان الوزير "الصاحب" المرافق لولي العهد "مالك بن عبد شمس"، كان بوعيه المتقد يفهم أن النصر لن يتحقق إلا بالقوة وطول المراس في قضايا الحرب، وكان يخطب في الفرسان، ويقول لهم: "إن العرب لن يغلبهم غالب ما داموا يتقلدون سيوفهم، ويحملون رماحهم، ويتدربون باستمرار على فنون الحرب تليدها وطريفها"  ــ شمس ــ ص ــ 35 ــ 36 ــ ويضيف أيضاً: "شرط أن تكون أسلحة البلاد مصنوعةً بأيدي أهلها، وليست مستوردة" ــ ص ــ 36 ــ فما أحوجَنا لهذا اليوم!. وظهرت عقلانية عالية في وصف الأميرة شمس لجيش الأحباش الغازي وقادته، وهذا يدل على أن الثقافة الاجتماعية كانت ممتدة خارج حدود مملكة أوسان القحطانية. تقول الأميرة شمس مخاطبة قائدَ جيش بلادها: "ألا ترى كيف يخفي عيوبه الخلقية وضعفه بذلك الصياح المدوي المستمر، وتلك الزمجرة التي لا تكاد تنقطع. إنه لجلف يفتقر إلى صفات الفرسان" "شمس" ص 121. إنها تشير إلى مقاتل قائد الأحباش  بوعيٍ ومعرفة دقيقة. لقد تكاملت شخصية شمس هذه بتنكرها لرداءة أبيها الذي انفض الناس عنه، لأنه كان غليظ القلب، ولسوئه تخلى الناس عن دعمه والتحقوا بابن أخيه صانع النصر بفروسيته وأخلاقه. فقد أعطى ابن أخيه "مالك" الفروسية وقتاً طويلاً من حياته، ليصبح فارساً جديراً بالدفاع عن وطنه، لأنه كان يدري أن أخلاقية الدفاع عن الوطن تحتاج قوة تحميها. ثم إن تخلي الناس عن الوصي الظالم المستبد الفاسد يدل على وعي اجتماعي متقدم، لقد تخلوا عن الوصي "يشجب"، والتفوا حول "مالك بن عبد شمس" الحاكم الشرعي حسب قانون البلاد. التفوا حوله لا، لأنه الشرعي فحسب، وإنما لسموه ونبله وتمسكه بمكارم الأخلاق، فالجيوش تدافع عن أوطانها، ولا تدافع عن حكام فاسدين يخضعون لهيمنة الأحنبي على بلادهم. فالفساد يخرِّب الإنسان قبل أن يُخرّب البلاد.

                                         *****
رمزية الحب في الانتصار على ما عداه:
تعتمد رواية شمس في منطلقها الهادف إلى تثبيت حقائق إنسانية هي في جوهرها مبرر وجود الإنسان. وأبرز هذه المنطلقات هو الدفاع عن الوطن بسيف الولاء له، ولا ولاء لوطن إلا بحبه، ويتجلى في الرواية عنصرا الذود عن الوطن وحبه في "مالك" و "شمس" فمالك يحب وطنه بأصالة الإنسان، وأضاء هذه الأصالة حبُّ شمس، وظل يعتبر أن اغتصاب عمه حقه في الملك لا يلغي حبه للوطن وشمس ابنة المغتصِب. وكذلك شمس التي رفضت تصرف أبيها لخروجه عن الأعراف المتبعة وقتئذٍ. والحب والوطن كانا فطرة عميقة حتى الالتصاق الوجودي في الذات العربية. الدفاع عن الوطن يلغي الشوائب ويمحو الخلافات، ومعرفة العدو أهم أسلحة النصر، وللمرأة دور حاسم في إحراز النصر، لقد انتصر "مالك" ولي العهد على الملك بسلاح لا يُغمد أبداً، إنه سلاح الحب، وهو أمضى أنواع الأسلحة وأشدها فتحا بما يتركه فينا من جراح لذيذة، وكان جدي يقول لي: لا أبرأك الله من آلام هذه الجراح الجميلة. لأن الحب آلة الروح المتحوّلة سلاحا، والمقاتل العربي لا ينسى حبيبته، والرماح نواهل من دمه، وكان حبه يدفعه للصمود. ومن منّا لا يذكر شعر عنترة، وهو في حضرة الموت، وفي حضرة عبلة في آن، كان حبه يهب له شجاعة، ويثير فيه حضور عبلة الذي لا يُقاوَم. ومن أجمل شعره حضور الحبيبة في الجرح نفسه:

ولقد ذكرتك والرماحُ نواهلٌ    مني وبيض الهند تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيل السيوف لأنها     لمعت كبارقِ ثغرك المتبسمِ

في الرواية حب أصيل وطاهر، ومبني على الوفاء، وممثلا هذا الحب "مالكٌ" و"شمس"، والحب في رمزيته في هذه الرواية هو مصحح المسيرة، وهذه هي تاريخياً وظيفة الحب الأصيل منذ وجد الحب، فالحب جوهر الله في الإنسان، ولا يمكن أن تكتمل إنسانية الإنسان إلاّ بالحب، والذي يكره يكون قلبه مظلماً، ولا يكون مؤمناً حتى ولو قضى عمره ركوعاً وسجودا، ورائع قول الرسول العربي: "لا صلاةَ إلاّ بحضور القلب" وحضور القلب في الإنسان هو حضور الله، ورائع قول الشاعر بدوي الجبل:

          الخافقانِ وفوق الخلقِ سرُّهما    كلاهما للخلود الحبُّ واللهُ
          كلاهما انسكبتْ فيه سرائرُنا     وما شهدناهُ لكنّا عرفناهُ

في الحب كان "مالك" يستمع لأصوات الطير، فتحلُّ ابنة عمه في هذه الأصوات، وتزول المسافات التي تفصل بينهما بسبب سوء "يشجب" والد شمس. وتستبد به الذكريات، فيناجي نفسه قائلاً: "ترى أما زالت تتذكرني ــ كما أتذكّرها ــ أم انقلبت عليَّ تحيزاً لوالدها الوصي؟" ــ ص ــ 39 ــ  وأديبنا محمد حسين بزي يرفع في روايته هذه، والتي كتبها في شبابه كما يبدو، الغناءَ إلى مستوى الحكمة الكونية.

وحبُّكَ الشيء يفرض عليك الدفاع عنه،  وكان الدفاع عن المحارم من أهم السجايا العربية، هذا إن لم يكن أهمها. وهذا ما قاد هانئ بن مسعود الشيباني في معركة ذي قار أن يجعل نساء بني شيبان خلف المقاتلين، ليذكِّرهم أنَّ هروبهم سيؤدي إلى سبي نسائهم، ومشهورٌ يومها قول هانئ بن مسعود للمقاتلين في ذي قار، وقد نصب خيمته في ساحة المعركة، : "واللهِ لن أهربَ حتى تهربَ هذه الخيمة" وكانت نشوة النصر على لسان شاعرهم حين عاد المقاتلون لتستقبلهم النساء بالورود لأنهم صانوا شرف الوطن، ودافعو عن حوضهم بسلاحهم. وقتها خاطب الشاعر امرأة من شيبان، كانت تهتف لفوارس ذي قار العائدين، بقوله:

إن كنتِ ساقيةً يوماً على كرَمٍ    فاسقي فوارسَ من ذُهْلِ بنِ شيبانا
واسقي فوارسَ حاموا عن ديارهمُ   واعلي مفارقَهم راحاً وريْحانا

هنا الحب يسمو على فرديته ليصبح حباً غامراً وماحياً كل بقع الظلام من النفس الإنسانية. وفي لفتة ذكية، وقدرة عالية على فهم النفسية العربية أعطى كاتبنا الصديق هذا الدور لـ " شمس " في روايته الهادفة، والتي لا تختلف عن عبلة بنت مالك في شعر عنترة بن شداد، ولا عن "أندروماك" زوجة "هكتور" بطل طروادة الأسطوري في الإلياذة التي يعتبرها اليونانيون كتابهم المقدس، ولا عن "بنيلوبا" زوجة "أوليس" الوفية بطل الأوذيسة" لقد جاء قائد الجيش القحطاني ليرى رأيها، بعد قدوم الأحباش بقوتهم وبقائدهم الضخم الجثة والعديد "ترهاقا" لاقتلاع مملكة "أوسان" القحطانية. وقتها قالت " شمس " لقائد جيش وطنها العربي "جبر بن مزيد" : "... لا يهولنّك منظره الشبيه بالكركدن.. إنه بالرغم من حجمه وقوته لا يملك إلاّ سلاحاً واحداً ــ القرن الغليظ البارز فوق أنفه ... وترهاقا" مثل أي كركدن لا يعجز عن اقتناصه الصيادون العرب الأقوياء"   " شمس " ص 120 /  والرائع في هذا المجال هو التفاتة " شمس " لتأكيد ضرورة وجود القوة الأخلاقية للإنجاز النصر، فالأخلاق قوة، ولا يمكن أن يكون عامراً بنيان قومٍ "إذا أفكارهم كانت خرابا" كما يقول أحمد شوقي، وتستمر شمس في إرشاد القائد العربي "جبر بن مزيد" إلى مقاتل الأحباش ونقاط ضعفهم فصيلاً فصيلاً، ويبدو أن خبرة شمس بمواطن الخلل في جيش العدو مستوحاة من موقعها في المكان المتقدم سياسياً في القصر الملكي، ومن دراسة المعارك السابقة، والتي غزا بها الأحباش اليمن كما حدث في التاريخ، وكما تسرد رواية "شمس". وكان للمرأة دور حاسم في إحراز النصر، فقد نادت ضباط الجيش العربي القحطاني حين اقتحم الأحباش الجسر للوصول إلى "ذات البهاء"، وقالت لهم: "صبّوا على رؤوسهم الرصاص المصهور" ص 125/  وظلت تنادي بصوتها العالي: "الموت في ميدان العز والكرامة أفضل من حياة الأسر والعبودية "ص 126/ وتوقظ النخوة العربية في أبناء قحطان، وتعرُّضُ الروايةِ إلى ذكر عروبة المعركة ليس موقفاً عنصرياً أبداً: "أيها العرب الأحرار يا أبناء قحطان أذيقوهم طعم الموت الزؤام" شمس ص 127/  الدفاع عن الوطن يحتاج إلى أهله، والأرض تقاتل مع أصحابها. وهذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد. فالمقاومة العراقية البطلة انتصرت على أقوى قوة في العالم. لقد انتصرت المقاومة العراقية لأن الأرض العراقية كانت تقاتل مع أصحاب الأرض. وفي لبنان استطاعت المقاومة الوطنية والإسلامية أن تحرر الأرض من الغزاة الصهاينة، لأنها كانت تدافع عن القيم والجغرافية والتاريخ والإنسان في آن. الانحياز للقيم ليس عنصرية أبداً، ورسولنا العربي يقول: "لا يُلام المرء على حب أهله".
 
*****
رمزية الجمال في رواية " شمس "
مما يستدعي الوقوف عنده في هذه الرواية هو ارتباط الجمال بالقيم العليا التي يحملها الإنسان، فالفتاة "شمس" رائعة بجمالها، ورائعة بحبها لوطنها وسكوتها عن انحراف أبيها أمام معركة الوطن وحاجته للجميع، ورائعة بحبها لابن عمها رغم المسافة التي تحول دون لقائهما. كثير من المفكرين الكبار اعتبروا أن للجمال منطقاً معصوماً، وقد كتبت في إحدى قصائدي:
 
           مجدُ الجمالِ عن الدنيّة عاصمٌ    إن الخيولَ العصمَ ذاتُ جماح

ولكن هل يخطئ الجمال؟ أنا أشك بذلك، وأعتبر أن الجمال يبقى معصوماً عن الخطأ، حتى ولو شُبِّهَ لنا. قرأت مرة، ولا أذكر المرجع الذي قرأتُ فيه أنّ قاضياً كبيراً في اليونان عفا عن خطيئة امرأة خاطئة بسبب جمالها، واعتبر أن الجمال الذي رآه في وجه تلك المرأة هو عاصمها عن الزلل والخطأ، فرؤية الجمال تغري بالعبادة، والله قرن اسمه بالجمال "بديع السماوات والأرض". ويعجبني شعرٌ لعمر أبي ريشة يقول فيه:
       
عرفتُ بكِ اللهَ بعدَ الضلال     فدلَّ البديعُ على المبدعِ

والذي أعادني إلى هذه الرؤيا، وأنا أقرأ رواية شمس للدكتور محمد حسين بزي هو انحياز القرد "نولان" في رمزيته إلى جمال شمس ، ومجيئه بالهدايا الثمينة لها، رغم أنها غنية، وليست بحاجة لجواهر. أنا أفهم رمزية ما عناه كاتبنا بجعل القرد ينحاز للفقراء، ويجلب لهم الجواهر للتغلب على الفقر والفاقة والجوع. هذا رغم اعتراضي على إدخال رمزية القرد في حدَثية الرسالة. إن قصص "كليلة ودمنة" رغم خلودها، إلا أنها تبتعد عن المنهج الواقعي الذي يجب أن تمتاز به الرواية التاريخية. ورغم هذا فقد استخدم كاتبنا محمد حسين بزي رمزية القرد بنجاح.
*****
القرد "نولان" في هذه الرواية هو رمز لانسجام الطبيعة الجغرافية مع الطبيعة الإنسانية، وهو، وإن كان أقرب إلى رموز "كليلة ودمنة"، وله دلالات إيحائية عميقة. إلا أن تصرفاته المختلِطة بالفعل الإنساني أثّر قليلاً على حدثية الرواية وسياقاتها الواقعية. رغم إشارات الرمز العميقة في تصرفات القرد "نولان".
 
إنّ لتصرفات القرد " نولان" في رواية " شمس " للكاتب الدكتور " محمد حسين بزي " أكثر من غاية.
 
أ ــ انحياز للفقراء والانخراط في قتل جوعهم.
يهدف الكاتب، من تبيان صورة القرد منحازاً للإنسان الفقير والعائلات التي لا يجد صغارها ما يقتاتون به، إلى نقد الإنسان الذي قال فيه القرآن: "قُتِلَ الإنسانُ ما أكفره"  سورة "عبس". وهذا يعني أن الإنسان الذي كرّمه الله على المخلوقات جميعاً ينحدر إلى الدرْك الأسفل من الموجودات جميعاً حين يفقد إنسانيته. يريد الكاتب محمد حسين بزي أن يقول لنا: ما أروعَ الإنسان وما أحقره في آن. هو رائع بقيمه العليا ومنحدر بالتخلي عنها، وحين يتخلى الإنسان عن قيم الخير العليا يكونُ وقتها كما قال المتنبي: "أدنى ضيغمٍ أدنى إلى شرفٍ من الإنسان". نعم إن إدخال القرد "نولان" إلى الرواية كان مؤثراً على سير المنهجين الواقعي والتاريخي، وعلى سردية الحدث ، إلاّ أن الغاية الكبرى التي كان يهدف إليها كاتبنا هي ممارسة فعل الأدب الملتزم بقضايا الإنسان أولاً. حتى ولو خرجت الرواية أحياناً عن متعة  الحدث السردي. وكما علمت من المؤلف نفسه، فإن الرواية كُتبت في شرخ شبابه، وكان الحدث العربي يومها، ولمّا يزل، يدعو الأدباء ليغوصوا أكثر في قضايا أمتهم، والابتعاد عن الغوص الذهني المجرد من العاطفة، والغارق في رمزية مبهمة وتشكيلية أبعدت ريشة الأديب عن وجع أمته. وهذا ما فعله أديبنا الكبير محمد حسين بزي أديباً ملتزماً ومنتصراً لأمته، وجاعلاً من أدبه ضماداً لجراحها النازفة. فالقرد ملتزماً أفضل من العربي المبتعد عن قضايا أمته العادلة.
 
واستطاع كاتبنا بوعيٍ عالٍ أن يصور حركات القرد ويجعلها لغة بيِّنة عبر فعلٍ هادفٍ، إذ كان يسير بجوهرة التقطتها أمه ثم أهدته إياها ليلهو بها "محكِماً قبضته على حصاته المشعة مدفوعاً بالدهشة التي تملكته"، وانطلق ليرى  رجلا عاجزا يبحث في النفايات عن طعام ليأكل وليملأ جرابه من طعام النفايات ليطعم أبناءه الجياع، ورافق الرجلَ في رحلته عبر السير على الأغصان ليرى الرجل يطعم أبناء من النفايات التي التقطها، فيحزن القرد "نولان" لهذا المنظر، فيقول: "القرود لا تأكل الزبل، والحيوانات لا تتغذى إلا بالأعشاب الطازجة، والطيور لا تطيب نفسها إلا بالحبوب والثمار، فكيف يأكل هؤلاء البشر الزبل والنفايات؟" شمس ص 77/. إنه سؤالٌ كوني لم يُجب عنه أحد إلا أبو ذر الغفاري عندما قال" "عجبت لمن يموت من الجوع، ولا يخرج شاهراً سيفه فيقتل الناس!". ويروق لنولان أن يلقي لهذه العائلة البائسة حصاته المشعة، فتفرح العائلة، ويفرح هو كثيراً حين يعلم أنها ستنقذهم من فقرهم.. وهذا الذي جعل القرد نولان يكرر جلب الحصاة المشعة ليفرح الآخرين بها. إن ابتسامة في وجه محتاجها قطعة خبز روحية لروحٍ تجوع أيضاً.
 
ب ــ الانتصار للجمال، واعتباره قيمة أخلاقية عالية. القرد برمزيته كان يدرك غنى شمس ويرى متاع بيتها، ولكنه انحاز لها. لماذا؟ أعتقد أن المؤلف الدكتور محمد حسين بزي أراد أن يقول لنا إن القرد أيضاً انحاز للجمال ورافقه في رحلته الصعبة. يعني أن الجمال لغة تفهمها المخلوقات كلها.
 
وفي نهاية الرواية ينتصر الوطن والحب معاً. وهذه هي غاية الرواية. أحسنت يا دكتورنا الأديب، ونحن ننتظر منك الكثير. لأن الملتزمين بقضايا أمتهم قليلون في عصرنا هذا. إن أمتنا بحاجة لفكر يزيل بقع الظلام التي أرختها على أمتنا عصور الاستعمار الهادف لإلغاء هذه الأمة. معاً سنبقى عاملين لها وحياك الله يا صديقي.


* عمر شبلي شاعر لبناني من الصويري في البقاع الغربي
خريج لغة عربية من جامعة دمشق سنة 1966
عمل مدرساً للغة العربية
امن بعروبته وعمل لها شعرا  وفكراً ومقاومة
له مؤلفات شعرية ونثرية تجاوزت خمسة وثلاثين كتاباً
ترجم الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي الى. العربية شعراًفي أربعة مجلدات وكتب فيه ناقدا "حافظ الشيرازي بين الناسوت واللاهوت"
يحترف النقد الادبي كاحترافه الشعر
وهو صاحب مجلة ادبية وفكرية اسمها المنافذ الثقافية

23-01-2018 الساعة 15:49 عدد القرآت 587    

مواضيع ذات صلة
الدّلالات الساطعة والرمز المشرق في شمسشكراً لأنك وضعت شمسك في سمائنا
الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جميع الحقوق محفوظة لدار الأمير © 2008